الثلاثاء، ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦
عربي

دور تاريخي بدأ خلال الحرب العالمية الأولى وتوارثه ملوك الأردن

ما هي الوصاية الهاشمية على مقدسات القدس؟

مشاركة:
دور تاريخي بدأ خلال الحرب العالمية الأولى وتوارثه ملوك الأردن

أعاد البيان المشترك الصادر عن الأردن وفرنسا، عقب المحادثات التى جرت بين الملك عبد الله الثانى والرئيس إيمانويل ماكرون فى باريس الخميس الماضى، ملف الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس إلى الواجهة، فى ظل الدور الذى تضطلع به عمان فى حماية هذه المقدسات ورعايتها والحفاظ على هويتها وسلامتها وحرية العبادة فيها.

ومن خلال هذا التقرير نستعرض، ما هى الوصاية الهاشمية، وما جذورها التاريخية، وكيف تطور دور الأردن فى رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس المحتلة.

ما هى الوصاية الهاشمية؟

بحسب الديوان الملكى الهاشمى، تُعد الوصاية الهاشمية دورًا تاريخيًا وقانونيًا تمارسه المملكة الأردنية، لحماية ورعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس، والحفاظ على هويتها وسلامتها وحرية العبادة فيها.

وعقب الحرب العالمية الأولى، وما نجم عنها من احتلال بريطانيا فلسطين فى مطلع القرن العشرين، أدرك المقدسيون خطورة ما يهدد المقدسات الإسلامية والمسيحية، فلجؤوا إلى الحسين بن على، شريف مكة وأميرها آنذاك، وبايعوه على حماية المدينة ومقدساتها، فاستجاب لهم وأسس الوصاية الهاشمية.

وورث الملك عبد الله الثانى الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس عن أجداده الهاشميين، بدءًا من جد جده، الشريف الحسين بن على، وفقًا للديوان الملكى الهاشمى.

وعندما أعلن الملك الحسين بن طلال، قرار فك ارتباط الأردن بالضفة الغربية عام 1988، استثنى بشكل خاص المقدسات وأملاك الوقف فى القدس الشرقية من القرار، وبالتالى أبقى على الوصاية الهاشمية، وتم التنسيق بشأن هذا الاستثناء مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات، قبل أن يتم الإقرار بهذا الدور الخاص للأردن فى معاهدة سلام «وادى عربة»، الأردنية- الإسرائيلية عام 1994.

وبعد اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين كدولة مراقب غير عضو عام 2012، وفى اتفاق تاريخى وقعه الملك عبد الله الثانى والرئيس الفلسطينى محمود عباس فى عمان مارس 2013، أعيد التأكيد على الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، وعلى أن الملك هو صاحب الوصاية على الأماكن المقدسة فى القدس، وله الحق فى بذل جميع الجهود القانونية للحفاظ عليها، خصوصًا المسجد الأقصى، المعرّف فى الاتفاقية بأنه كامل الحرم القدسى الشريف.

مبادئ الوصاية الهاشمية

تتبنى الوصاية الهاشمية مجموعة من المواقف الثابتة تجاه القدس ومقدساتها، ومن أبرزها:

- القدس الشرقية جزء لا يتجزأ من الأراضى الفلسطينية المحتلة عام 1967.

- ممارسات الاحتلال الإسرائيلى فى القدس الشرقية تمثل انتهاكا للقانون الدولى.

- السيادة على القدس الشرقية حق للشعب الفلسطينى.

- الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس الشرقية حق للهاشميين.

- حماية القدس مسؤولية دولية مشتركة، يوجبها القانون الدولى وقرارات الأمم المتحدة.

- الإعمار الهاشمى الأول (1922 – 1952)

بدأت أولى مراحل الإعمار الهاشمى عام 1922، عندما تم تشكيل المجلس الإسلامى الأعلى للحفاظ على القيم الإسلامية المثلى وحماية مقدسات فلسطين.

وتولى المجلس الإسلامى الأعلى مسؤولية جمع التبرعات لترميم قبة الصخرة المشرفة، فيما زار وفد من المجلس الشريف الحسين بن على عام 1924، وقدّم له إيجازًا عن وضع المسجد، فتبرع الشريف الحسين بـ38 ألف ليرة ذهبية.

وأشرف الأمير عبد الله بن الحسين شخصيًا على أعمال الإعمار، كما أشرف على أعمال الإعمار التى جرت فى الأربعينيات، والتى عُرفت باسم «الإعمار المصري»، نسبة إلى الدور الفنى والتقنى المصرى، واستيراد السيراميك المستخدم فى أعمال الإعمار من مصر.

وخلال حرب عام 1948، تضررت أجزاء كبيرة من البلدة القديمة فى القدس والمسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسى الشريف، إلى جانب سطح كنيسة القيامة.

وفور انتهاء الحرب، زار الملك عبد الله المسجد الأقصى، وأعلن ترميم محراب النبى زكريا، عليه السلام، ضمن إعادة إعمار المبانى المحيطة التى كانت قد تضررت فى أساساتها.

وفى عام 1949، ساعد الملك عبد الله بن الحسين، شخصيًا فى إخماد حريق دمّر أجزاء من كنيسة القيامة، ودأب خلال عهده على ممارسة دوره صاحبًا للوصاية على المقدسات فى القدس.

الإعمار الهاشمى الثانى (1952 – 1964)

شملت أعمال الإعمار الهاشمى فى الخمسينيات تركيب صفائح الألمنيوم المذهّب بدلًا من الصفائح الخارجية الرصاصية التى كانت تغطى الهيكل الخشبى لقبة الصخرة، والتى لم تكن تمنع تسرب المياه إلى الداخل، إلى جانب بهتان اللون الذهبى للقبة.

وخلال الفترة من 1952 إلى 1953، أشرف الملك الحسين، فى بداية عهده، على صيانة هذه الصفائح.

وفى عام 1954، وجه الملك الحسين بسن القانون الأردنى للجنة الإعمار الهاشمى، والذى أشرف بموجبه على ترميم قبة الصخرة المشرفة وقبة السلسلة وسبيل قايتباى ومسجد النساء ومواقع أخرى.

الإعمار الهاشمى الثالث – الإعمارات الطارئة (1969 – الحاضر)

تضرر منبر صلاح الدين فى المسجد القبلى بالمسجد الأقصى المبارك، بشكل كبير، بعدما أضرم الصهيونى الأسترالى دينيس مايكل روهان النار فيه فى 21 أغسطس 1969.

وكان المنبر، الذى بناه السلطان نور الدين زنكى، قد نُقل من حلب إلى القدس على يد صلاح الدين بعد تحرير القدس من الصليبيين عام 1187.

ودعم الملك عبد الله الثانى ترميم المنبر وأشرف عليه، فيما بلغت تكلفة ترميمه على الخزينة الأردنية 2.115 مليون دولار أمريكى، وتم تركيب المنبر فى موقعه التاريخى بالمسجد الأقصى المبارك فى 2 فبراير 2007، كما جرى ترميم الأضرار التى تسبب بها حريق عام 1969.

الإعمار الهاشمى الرابع (1990 – 1994)

بحلول تسعينيات القرن الماضى، كانت قبة الصخرة، قد تعرضت مجددًا لأضرار من الداخل والخارج بفعل الظروف البيئية وقنابل الصوت التى كانت قوات الاحتلال تطلقها بشكل متكرر.

وفى عام 1992، باع الملك الحسين منزله فى لندن مقابل 11.636 مليون دولار أمريكى، لتمكينه من تغطية كلفة إعمار قبة الصخرة المشرفة عام 1994.

وبموجب تعليمات الملك الحسين، استعانت وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية بخبرات متخصصة لإعادة تصفيح وتكسية قبة الصخرة المشرفة بنحو 1200 صفيحة من النحاس والنيكل المطلية بالذهب عيار 24 قيراطًا، إلى جانب إعادة بناء دعائم السطح وصيانة الأساسات وحماية القبة من الداخل ضد الحرائق.

الإعمار الهاشمى الخامس (1994 – الحاضر)

تحظى المقدسات الإسلامية والمسيحية فى القدس بأهمية بالغة لدى الملك عبد الله الثانى، واستمرارًا للالتزام الملكى برعايتها، أسس الملك الصندوق الهاشمى لإعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة بموجب قانون جديد صدر عام 2007.

وشملت مشاريع الإعمار الهاشمى فى المسجد الأقصى خلال عهد الملك عبد الله الثانى استكمال أعمال ترميم منبر صلاح الدين الذى دُمّر فى حريق عام 1969، إذ أُعيد ترميم المنبر فى مشغل بجامعة البلقاء التطبيقية، ثم أُعيد إلى القدس عام 2007.

كما شملت المشاريع تصفيح الأسطح الغربية لأروقة المسجد الأقصى وأسطح جامع النساء، وتنفيذ مشروع المتحف الإسلامى خلال الفترة من 2004 إلى 2007، وترميم أجزاء كبيرة من الحائطين الجنوبى والشرقى للمسجد الأقصى المبارك خلال الأعوام من 2003 إلى 2008.

وامتدت أعمال الترميم إلى الأبواب والشبابيك والفرش والإضاءة وأنظمة الصوت، إلى جانب ترميم سبيل قايتباى وسبيل قاسم باشا وقبة السلسلة، وعدد كبير من أسبلة المسجد الأقصى ومصاطبه وقبابه.

كما شملت أعمال الإعمار ترميم الأعمال الفنية وإعادة الرخام الداخلى لجدران قبة الصخرة المشرفة، إلى جانب ترميم الزخارف الفسيفسائية والجصية خلال الفترة من 2016 إلى 2018.

وبالتوازى مع حماية المقدسات الإسلامية، بذل الأردن جهودًا لحماية الوجود المسيحى فى القدس ورعاية الأماكن المقدسة المسيحية فيها، إذ وجّه الملك عبد الله الثانى عام 2016 بترميم القبر المقدس فى كنيسة القيامة بالقدس على نفقته الخاصة.

وفى عام 2017، قام الصندوق الهاشمى لإعمار المسجد الأقصى، وجهاز الإعمار الهاشمى فى أوقاف القدس بترميم كنيسة الصعود الواقعة على جبل الزيتون، بتوجيه ملكى.

كما تبرع الملك عبد الله الثانى بجزء من القيمة المالية لجائزة تمبلتون التى تسلمها عام 2018، لإنجاز أعمال الترميم الشامل لكنيسة القيامة بالقدس، بينما تبرع بباقى قيمة الجائزة لدعم الجهود الإغاثية والإنسانية ومبادرات إرساء الوئام بين أتباع المذاهب والأديان فى الأردن وحول العالم.

وتم إنجاز المرحلة الأولى، المتمثلة فى ترميم القبر المقدس، خلال الفترة من 2016 إلى 2017، فيما تمثلت المرحلة الثانية فى تبليط وترميم بلاط كنيسة القيامة، ونُفذت خلال الفترة من 2018 إلى 2023، وفقًا للديوان الملكى الهاشمى.

هل أعجبك هذا المقال؟

التعليقات

أضف تعليقك